محمد محمد أبو موسى

709

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

تعالى فيه حكمة عظيمة ومصلحة ظاهرة في الأهلة وغيرها فدعوا هذا السؤال وانظروا في خصلة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في ورد ولا صدر وهو اتيان البيوت من ظهورها فليست برا ، ولكن البر هو تقوى اللّه والتجنب لمحارمه ومناهيه . وثالثها : أن يكون واردا على جهة التمثيل لما هم عليه من تعكيس الأسئلة ولما هم بصدده من التعنت وأن مثالهم في سؤالاتهم المتعنتة كمثل من ترك باب الدار ودخل من ظهر البيت فقيل لهم : ليس البر ما أنتم عليه ، ولكن البر هو تقوى اللّه ، ومنه قوله عليه السلام حين سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال : « هو الطهور ملؤه الحل ميتته » « 36 » . وقد قال الزمخشري في هذه الآية : « كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ، ولا دارا ، ولا فسطاطا ، من باب ، فإذا كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج ، أو يتخذ سلما يصعد فيه ، وان كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء ، فقيل لهم : ليس البر بتحرجكم من دخول الباب ، ولكن البر من اتقى ما حرّم اللّه ، فان قلت : ما وجه اتصاله بما قبله ، قلت : كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة ، وعن الحكمة في نقصانها وتمامها : معلوم أن كل ما يفعله اللّه عز وجل لا يكون الا حكمة بالغة ، ومصلحة لعباده ، فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شئ ، وأنتم تحسبونها برا ، ويجوز أن يجرى ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج لأنه كان من أفعالهم في الحج ، ويحتمل أن يكون هذا لتعكيسهم في سؤالهم ، وأن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره ، والمعنى : ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم ، ولكن البر من اتقى ذلك ، وتجنبه ولم يجسر على مثله » « 37 » .

--> ( 36 ) الطراز ج 2 ص 48 ، 49 ، 50 ( 37 ) الكشاف ج 1 ص 177 وينظر التبيان ص 133